تعود قصة حلب مع الطباعة الى أواخر القرن السابع عشر حين ارتحل البطريرك (أثناسيوس الرابع الانطاكي الحلبي) بطريرك الروم الأرثوذكسي الى بلاد الفلاخ (رومانيا الآن) عام 1698.

وسعى لدى حاكمها بإنشاء مطبعة عربية تخدم الدين، وساعده في إنشاء مطبعة في بخارست بالتعاون مع الأب أنتيموس الكرجي، الذي حفر الحروف العربية للمطبعة فطبعت كتابين هما (القنداق والساعي) وزعا مجانا على الكهنة. فجميع من أرّخوا للطباعة الحلبية يتفقون على أن الدباس صاحب الفكرة وصاحب الفضل في تأسيس أول مطبعة عربية في المشرق. ‏

طبعت المطبعة عشرة كتب فقط وكان عبد الله زاخر قد اشتغل بها حتى عام 1911، فقد طبعت كتب المزامير والإنجيل والرسائل، وجمعت العناوين كلها بحرف واحد لم يتغير منذ نشأة المطبعة حتى توقفها عن الطبع. ‏

وينقل الأب لويس شيخو أن في مكتبته رسالة رعائية للقاصد الرسولي (يوحنا أو فرنية) طبعت على الحجر تعود الى ماقبل 1841 وهذه المطبعة طبعت(ديوان ابن الفارض) سنة 1841 وكان أول كتاب غير ديني يطبع في سورية ثم كانت «المطبعة المارونية» التي أسسها عام 1857 «المطران الماروني يوسف مطر» وأول كتاب طبع فيها هو «صلوات مقتطفة» عام 1857وفي بداياتها تخصصت بطبع الكتب الدينية المتعلقة بالطائفة المارونية ثم طبعت الكتب الأدبية والمدرسية ودواوين الشعر والتقاويم. ‏

ثم أسست مطبعة «ولاية حلب» في عام 1867 وقد استحضر الوالي «جودت باشا» لها حروفاً عربية وتركية وأرمنية وقامت المطبعة بطبع المطبوعات الحكومية الرسمية والسالنامات والصحف وبقيت حتى خروج الأتراك من سورية عام 1918. ‏

ومن المطابع الحلبية في القرن التاسع عشر «المطبعة العزيزية » عام 1877 وكذلك أسست مطبعة «الفوائد » لتطبع مجلة «الشذور» التي صدرت في عام 1897 لصاحبها عبد المسيح الأنطاكي، ومابين 1906 و 1913، أنشئت في حلب ست مطابع جديدة، وهي: مطبعة التقدم ومطبعة الإتقان ومطبعة المعارف وكلها أنشئت في عام 1906. ‏

هذا بالنسبة للمطابع أما بالنسبة للصحف فإن أقدم صحيفة في حلب هي «الفرات» فقد أنشئت عام 1867، وفضل إنشائها يعود لوالي حلب المؤرخ التركي جودت باشا وحررت باللغتين التركية والعربية ثم أضيفت الأرمنية فيما بعد ومنذ إصدار «الفرات» أضافت الحكومة إليها مايسمى «السنالنامة» وهي نشرة حولية تضم إحصاءات مالية ومعلومات تاريخية وجغرافية وسياسية واجتماعية وأسماء موظفي الولاية وظلت تصدر الى أوائل القرن العشرين ثم استبدلت بها «الجريدة الرسمية». ‏

وكان أول سوري أصدر صحيفة هو هاشم الخراط صاحب امتياز «الشهباء » ذات المباحت العامة التي ظهرت في عام 1877 ثم انضم إليه ميخائيل الصقال وعبد الرحمن الكواكبي وكانت تطبع في مطبعة «العزيزية» وبإصدارها انتقلت الصحافة في حلب من إطارها الرسمي الى إطارها الحر. ‏

أصدر عبد المسيح الأنطاكي «الشذور» في حلب في 1/1/1897، وكان يطبعها في مطبعته «الفوائد» وكانت تمثل منحى جديداً في التفكير فهي تحتوي المواعظ والحكم والمواضيع الأخلاقية والمنثور والمنظوم مزينة بأبيات المتنبي تقابلها أقوال لأرسطو وربما أعاقه سفره الى مصر عن متابعة نشر «الشذور » فانقطعت عن الصدور مستعيضاً عنها بإصدار «الشهباء » في مصر. ‏

بعد إعلان الدستور وإطلاق حرية الصحافة انتشرت المطابع في حلب انتشاراً كبيراً وكانت كل صحيفة من صحف ذلك العهد تشتري مطبعة خاصة بها فأقيمت في حلب ثلاث مطابع هي : مطبعة «الكمال» التي تأسست عام 1908 ظلت موجودة الى نهاية السبعينيات ومطبعة «البهاء » تأسست عام 1909 وهي ذات حروف عربية وفرنسية ولم تعش أكثر من عامين طبعت خلالها كتباًِ فرنسية وعربية وبعض الصحف الحلبية إضافة الى المطبوعات التجارية ومطبعة«لوكس» تأسست في عام 1912 وفيها حروف عربية وفرنسية وهي من المطابع النشيطة بسبب أسعارها الزهيدة والسرعة في إنجاز العمل. ‏

أصدرت نظارة المعارف رخصاً تسمح بمقتضاها للصحف الإخبارية بالصدور فصدر كثير منها وأقبل الناس عليها وارتفع عدد الصحف في حلب بصورة ملموسة وتنوعت موضوعاتها ومن هذه الصحف «التقدم» صدرت في عام 1908 وهي أهم جريدة وطنية تظهر في هذه الفترة وبعد الحرب العالمية الأولى صارت يومية سياسية أدبية في أربع صفحات وتوقفت في عام 1949. ‏

«صدى الشهباء »جريدة علمية أدبية سياسية إخبارية تجارية زراعية أصدرها حكمت ناظم وكامل الغزي في عام 1908 وكانت تصدر باللغتين العربية والتركية. ‏

وكانت الصحف تصدر في عدة أعداد ثم تتوقف وأكثرها استمرت لفترة سنة ومن هذه الصحف «حلب الشهباء» فوائد ، الخطيب، الشعب، مسخرة، الكشكول، الأهالي، الإعلان ، الورقاء، تنوير أفكار، مكتبلي، المرسح ، النهار، الصدق، العفريت، هوبالا، الغول، تشبث، أغبيور، ولسان الأهالي» وهذه الأخيرة استمرت ثلاث سنوات. ‏

اقتصرت الصحافة في حلب في سنوات الحرب العالمية الأولى على جريدة «فرات» الرسمية ونشرات (الشركة البرقية الوطنية) ومع نهاية الحرب واستقرار الأمر للحكومة العربية أوقفت جريدة «فرات» وأصدرت الحكومة العربية مكانها في عام 1918 جريدة أخرى هي «حلب» وصارت تطبع في مطبعة «الولاية» وأصبح مديرها مسؤولاً عن الجريدة أيضاً كما باتت «النشرة الاسبوعية» الرسمية الصادرة عن الحكومة تطبع مع الجريدة في المطبعة المذكورة إضافة الى المطبوعات الرسمية وقد توسعت أعمال المطبعة ولم تعد مقتصرة على النطاق الرسمي فقد قامت بطبع جريدة «الراية الحلبية» وبعض الصحف والمطبوعات الأخرى. ‏

أغلقت الصحف التي كانت تنطق بلسان الحكومة التركية وغيرت صحف أخرى لهجتها رأسا على عقب وزال كل مافرضه الأتراك من قبل على الصحافة من رقابة وتوجيه وتشديد وهكذا توقفت الصحف الوطنية السياسية والثقافية على سورية وفي حلب صدرت عدة جرائد عربية الروح والاتجاه وكانت أقواها وأكثرها شيوعاً وانتشارا «العرب والراية والمصباح وحقوق البشر والوطن والصاعقة والنهضة والبريد السوري» واستأنفت التقدم الصدور بعد أن توقفت خلال الحرب الأولى فكانت الصحيفة الوحيدة التي بقيت من صحف العهد التركي. ‏

في هذه الفترة صدر عدد من الصحف والمجلات الأرمنية مثل «هاي تساين» (الصوت الأرمني) ودارا كير (المشرد) يبرادا (الفرات) هاي كنار( القانون الأرمني) كما صدرت عدة صحف باللغة العربية مثل«العرب، حلب الرسمية، الصاعقة، حقوق البشر، النهضة ، الراية ، المصباح ، البريد السوري، الوطن، العدل، الشعلة». ‏

وهذا العهد هو العهد الذهبي للطباعة والصحافة في سورية فقد ظهرت صحف وطنية عديدة (عربية النزعة، مطلقة الحرية، اتخذت شعاراً لها الدعوة الى الوحدة العربية ومؤازرة الحكم الجديد والتنديد بحكم الأتراك والأجانب) وكانت الصحف ضعيفة من جميع النواحي أما الطباعة فقد تطورت أثناء الحكم الفيصلي كيفاً ونوعاً لاكما وعدداً وقد استطاعت أن تقوم بأعباء المرحلة بشكل كامل. ‏

لم تنعم سورية بحريتها طويلاً فلم تكن تخرج من ربقة الاحتلال العثماني وتحاول أن تقيم دعائم دولتها العربية الفتية حتى وقعت ضحية اتفاقية «سايكس بيكو» ورضخت للانتداب الفرنسي ودخلت جيوش «غورو» الى دمشق في عام 1920 وبدأ عهد طويل ‏

من الاحتلال استمر خمسة وعشرين عاما الى أن تم جلاء القوات الأجنبية عن الأراضي السورية، في عام 1946. ‏

والذي يميز حركة الطباعة والصحافة في حلب في هذه المرحلة، كثرة المطابع والصحف الأرمنية التي ظهرت فيها، ومعظمها ما زال مستمرا حتى الآن، فقد أسسوا ثماني وعشرين مطبعة في حلب، اضافة الى دخول الحروب الأرمنية الى مطابع عربية أخرى وأنشؤوا تسع جرائد يومية، وست مجلات اسبوعية ومجلتين نصف شهريتين وثماني عشرة مجلة شهرية ونشروا عدداً من الدول والتقاويم والنشرات الدورية والسنوية ، وغير الدورية، استمرت «حلب» الرسمية و«التقدم» و«النهضة» و«الصاعقة» و«البريد السنوي» و«الشعلة» وصدرت صحف جديدة هي: «الأمة، شفق، الآمال، المرسح، سورية الشمالية، الترقي السوري،الكلمة، الوقت، الفاروقي، الثعبان، الاتحاد، كما صدرت عدة مجلات منه: «الرحمة، الحديث، الفجر، على كيفك، التاج، الجهاد، الاعتصام، الجامعة الإسلامية، المرأة، الضاد، العاديات، السنابل، السلام، برق الشمال، اللواء، الشباب، النذير، الحوادث، الإصلاح، العالم العربي، الأنباء، الميزان، الجماهير، آخر دقيقة». ‏

دخلت الصحافة في عهد الاستقلال صراعا ساخنا، تجلى في: اسقاط الهلال الخصيب، وحرب فلسطين عام 1948، وانهمر سيل من الصحف مستفيدا من المناخ الديمقراطي الذي أسفر عنه التحرر السياسي، الصراع الساخن حسمه حسني الزعيم حين قام في 30/3/1949، بأول انقلاب عسكري في تاريخ سورية الحديثة، فتراجعت الصحافة الأدبية وبرزت عدة صعوبات أمام الصحافة السياسية المعارضة، وأضيف اليها لجوء الحكومة لتعطيل الصحف التي تعترض سياستها، برز ذلك على نحو خطير في مرحلة الانقلابات العسكرية، إد تعطلت اغلب الصحف والمجلات، ومن هذه الصحف «الجهاد العربي» التي ناضل صاحبها من أجل أن تبقى، فغير اسمها الى «الجهاد العربي، طريق الجهاد، مراحل الجهاد، والمراحل، وأنبال الجهاد» الى «نداء العروبة» وكان أن اغلقت في عام 1962، وهناك صحيفة «الوطن» التي رأس تحريرها عبد الرحمن أبو قوس، التي اغلقت في عام 1963، و«التربية» التي اصدرها عبد السلام الكاملي أواخر عام 1946. ‏

قامت الوحدة بين سورية ومصر في عام 1958، و بدأت مرحلة جديدة تم فيها تغيير هام في تركيب الدولة والمجتمع وفي شكل النظام، فقد حلت الاحزاب نفسها وقام مكانها تنظيم سياسي واحد هو «الاتحاد القومي» كما حددت الملكية الفردية وضرب مصالح الاقطاع والرأسمالية، وحدث تحول على الصعيد العربي و العالمي، تمثل في انفتاح دولة الوحدة على حركات التحرر القومي في الوطن العربي، وتعاملها الإيجابي مع الحركات التقدمية والتحررية في العالم. ‏

كان لا بد لهذه السياسة ان تدعمها اجراءات تهدف الى اعادة تنظيم الصحافة في الدولة على مستوى آخر وأسس جديدة، وهكذا صدرت قوانين ومراسيم وقرارات تحد من سيطرة الاحزاب ورأس المال على الصحافة، وتربطها بالنظام وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، صدر عن رئيس الجمهورية القانون رقم 195 لعام 1958، الذي يتضمن بعض الأحكام الخاصة بتنظيم الصحافة، وبموجبه تنازل بعض أصحاب الصحف السورية عن امتياز صحفهم، تلاه قرار رئيس الجمهورية رقم 224 تاريخ 15/4/1958، مرفقا بقائمة تضمنت صحفا ومجلات ألغيت، أما الصحف التي كانت تصدر في حلب فهي: «الوطن، الشباب وبرق الشمال وآخر دقيقة والحوادث». ‏

كان يوم 28/9/1961، إيذانا بطي صفحة الوحدة، وإلغاء كل الاجراءات التي اتخذت خلالها، فقد صدر المرسوم رقم 5 بتاريخ 30/9/1961، عن رئيس مجلس الوزراء بإلغاء الاتحاد القومي ثم اعيدت الحياة الحزبية واجريت انتخابات نيابية، وانتخب ناظم القدسي رئيسا للجمهورية، وعادت الحرية الديمقراطية الى البلاد، وكان لا بد لهذا الخط الجديد أن يترافق مع اعادة ترتيب اوضاع الصحافة بما يناسب المرحلة، وصدر عدد من المراسيم والقرارات المتعلقة بالصحافة والمطبوعات، في ظل هذه الأوضاع عاد كثير من الصحف التي عطلت زمن الوحدة الى الصدور أو صدرت صحف جديدة موالية للعهد، وانقلبت بعض الصحف غير السياسية الى صحف سياسية «السنابل»، ومن الصحف والمجلات الحلبية في هذه المرحلة «العالم العربي ـ المرصاد» ومجلة «كوكتيل الفنون». ‏

وفي عام 1963 انهي حكم الانفصال وحولت وجهة البلاد من جديد باتجاه وحدوي تقدمي اشتراكي، ولذلك اصدر المجلس الوطني لقيادة الثورة في صباح 8/3/1963، البلاغ رقم 4 بإيقاف الصحف والمطبوعات ومنع صدورها إلا بإذن مسبق، وصدر مرسوم آخر بإلغاء الصحف التي كانت تصدر، وبقيت «الجماهير» التي تصدر في حلب منذ عام 1965، وحتى وقتنا الحاضر الجريدة السياسية الوحيدة، وقد صارت الصحف السورية تلتزم الخط السياسي العام، لا تتبع لأي فرد، بل تملكها مؤسسات حكومية أو تنظميات شعبية، وترتبط بوزارة الاعلام وأصبح العاملون فيها موظفين تابعين للقطاع العام في الدولة. ‏

جريدة تشرين السورية